الشيخ السبحاني
136
رسائل ومقالات
ثمّ إنّ الخضوع للوثن يوجب انحطاط الفكر الإنساني ، ووقوعه في الخرافات التي هي بمثابة القيود التي تكبِّل الفكر البشري ، وتمنعه عن الانطلاق في مدارج الرقي والتكامل ، وتحجز النفس الإنسانية من نيل الفضائل والسجايا الخلقية الكريمة . هذا مضافاً إلى أنّ عبادة الأوثان والأصنام توجد اختلافاً وتحزباً بين البشر ، وتُفرّق وحدته ، وتمزّق صفَّه ، إذ كلّ جماعة تتخذ وثناً خاصاً تعبده وتتمسك به ، وتنفي سواه ، وفي ذلك ضرر عظيم على حياة البشرية لا يقل عن خطر الطاعون والوباء . يقول سبحانه حاكياً عن لسان يوسف : « يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » « 1 » . ولهذا يرى الإسلام محاربة هذا الوباء الفكري ، واقتلاعه من الجذور . ومن هنا أقدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند فتحه ( مكة ) على كسر الأصنام الموضوعة على البيت الحرام ، وأمر كلّ صاحب وثن أن يحطِّم وثنه ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك كلّما فتح منطقة من مناطق الجزيرة . « 2 » نعم صحيح انّ للتبليغ والدعوة أثراً لا ينكر في إيقاظ الأفكار ، وفكّها من إسارها ، بيد انّه أثر محدود لا يعرفه إلّا الزمرة الواعية ، المثقَّفة ، القادرة على استيعاب التوجيهات والمواعظ . ولأجل ذلك يجب على إمام المسلمين قبل نشوب الحرب أن يدعو الكفّار والأعداء إلى الإسلام ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويبالغ في إيقاظهم وتوعيتهم ودعوتهم ، وإتمام الحجّة عليهم .
--> ( 1 ) . يوسف : 39 . ( 2 ) . سيرة ابن هشام : 2 / 143 .